محمد بن جرير الطبري
101
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ قالَ مُوسى يقول تعالى ذكره : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني : فلما جاءهم بيان ما دعاهم إليه موسى وهارون ، وذلك الحجج التي جاءهم بها ، وهي الحق الذي جاءهم من عند الله ؛ قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ يعنون : أنه يبين لمن رآه وعاينه أنه سحر لا حقيقة له . قالَ مُوسى لهم : أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ من عند الله : أَ سِحْرٌ هذا . واختلف أهل العربية في سبب دخول ألف الاستفهام في قوله : أَ سِحْرٌ هذا فقال بعض نحويي البصرة : أدخلت فيه على الحكاية لقولهم لأَنهم قالوا : أسحر هذا ؟ فقال : أتقولون : أسحر هذا ؟ وقال بعض نحويي الكوفة : إنهم قالوا هذا سحر ، ولم يقولوه بالأَلف ، لأَن أكثر ما جاء بغير ألف . قال : فيقال : فلم أدخلت الأَلف ؟ فيقال : قد يجوز أن تكون من قيلهم وهم يعلمون أنه سحر ، كما يقول الرجل للجائزة إذا أتته : أحق هذا ؟ وقد علم أنه حق . قال : قد يجوز أن تكون على التعجب منهم : أسحر هذا ، ما أعظمه وأولى ذلك في هذا بالصواب عندي أن يكون المقول محذوفا ، ويكون قوله : أَ سِحْرٌ هذا من قيل موسى منكرا على فرعون وملئه قولهم للحق لما جاءهم سحر ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : قال موسى لهم : أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ وهي الآيات التي أتاهم بها من عند الله حجة له على صدقه ، سحر ، أسحر هذا الحق الذي ترونه ؟ فيكون السحر الأَول محذوفا اكتفاء بدلالة قول موسى أَ سِحْرٌ هذا على أنه مراد في الكلام ، كما قال ذو الرمة : فلما لبسنا الليل أو حين نصبت * له من خذا آذانها وهو جانح يريد : " أو حين أقبل " ، ثم حذف اكتفاء بدلالة الكلام عليه ، وكما قال جل ثناؤه : فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ والمعنى : بعثناهم ليسوءوا وجوهكم ، فترك ذلك اكتفاء بدلالة الكلام عليه ، في أشباه لما ذكرنا كثيرة لتعب إحصاؤها . وقوله : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ يقول : ولا ينجح الساحرون ولا يبقون . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي يقول تعالى ذكره : قال فرعون وملؤه لموسى : أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا يقول : لتصرفنا وتلوينا ، عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من قبل مجيئك من الدين ؛ يقال منه : لفت فلان عنق فلان إذا لواها ، كما قال ذو الرمة : لفتا وتهزيعا سواء اللفت التهزيع : الدق ، واللفت : اللي . كما : حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة لِتَلْفِتَنا قال : لتلوينا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وقوله : وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ يعني العظمة ، وهي الفعلياء من الكبر . ومنه قول ابن الرقاع : سؤددا غير فاحش لا يدا * نيه تجباره ولا كبرياء حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ قال : الملك . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأَعمش ، عن مجاهد : وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ قال : السلطان في الأَرض . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، قال : بلغني ، عن مجاهد ، قال : الملك في الأَرض . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ قال : الطاعة . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ قال : الملك . قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني